:: الأخبار ::

الزينة ما المباح منها والمحظور ( خطب مسموعة ) => خطب جمعة صوتية ? 471 تقليم الأظفار وإعفاء اللحية وجواز خضابها وتغيير الشيب - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? 472 - النهي عن القَزَع وهو حلق بعض شعر الرأس وترك بعضه ولعن المتفلجات للحسن وهو تفريج ما بين الأسنان - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? أثر معية الله في طمأنينة النفس ( خطب مسموعة ) => خطب جمعة صوتية ? 473 - لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة والمتفلجات للحسن لما فيه من تغيير خلق الله والخداع- شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? 474 النهي عن التصاوير لكل ذي روح سواء له ظل أم لا إلا أن يُمتهن بجعله وسادة أو بساط يوطأ - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? كيف يبني الإسلام أسرة سوية ؟ (خطب مكتوبة) => الخطب المكتوبة ? 475 - كراهية الصلاة في التصاوير والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? 476 - كتاب الأدب - بر الوالدين خاصة الأم وتحريم العقوق لأنه من أكبر الكبائر - شرح صحيح البخاري. => سلسلة فتح الباري شرح صحيح البخاري ? بر الأم ( خطب مسموعة ) => خطب جمعة صوتية ?

:: الجديد ::

القائمة الرئيسية

البحث

البحث في

جديد المقالات

مقالات علمية للشيخ

الأمل وحسن الظن بالله .

::: المقالة :::

الأمل وحسن الظن بالله .
10144 زائر
20-03-2011
لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

الأمل وحسن الظن بالله .

لفضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي

إن الحمد لله وحده . والصلاة والسلام على من لا نبي بعده .

* حقيقة حسن الظن بالله :

أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله يقول قبل موته بثلاثة أيام : " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل " . من أكبر أسباب الراحة في الدنيا والنجاة يوم القيامة أمران : حسن الظن بالله ، وحسن الظن بعباد الله . المؤمن في هذه الحياة بمن يستعين ؟ وعلي من يتوكل ؟ وإلي من يلجأ ؟ هل يلجأ فقير إلي فقير مثله ؟ هل يلجأ عاجز ضعيف إلي عاجز ضعيف مثله ؟ أم يلجأ إلي القوي الغني القادر ؟ من هو الغني الذي لا تنفد خزائنه ؟ ومن هو القادر الذي لا يعجزه شيء ؟ من هو الحي الذي لا يموت ؟ إنه الله وحده لا شريك له ، خير من توكل عليه المتوكلون ، هو الولي والنصير فنعم المولي ونعم النصير .

* من صميم الإيمان أن يظن المؤمن بالله ما هو أهله وما يليق به سبحانه كما تقتضيه أسماؤه وصفاته ، فالله يعامل عباده بحسب ظنهم به ، فمن أحسن الظن بربه وأيقن أنه علي كل شيء قدير ولا يعجزه شيء ، قادر علي إجابة الدعاء وتحقيق الرجاء ، بيده قبول الطاعات ومغفرة الخطايا ، تيقن أنه راحمه و فارج كربه وكاشف همه وغمه ، فهذا هو الصادق حقا ، له من الله الحفاظة والرعاية ، لا يهلك في دروب هذه الحياة ولا يضيع يوم يقوم الناس لرب العالمين .

لو قام أهل الأرض جميعا في آن واحد يدعون ربهم وأعطي كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملك الله الواسع شيئ إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، فكم تكون سعة رحمة الله الواسعة ، اللهم يا من وسعت كل شيء رحمة وعلما لا ترد سائلا دعاك ولا تخيب رجاء من يرجوك ..

* النظر إلي رحمة الله الواسعة يقوي حسن الظن بالله ، فالعفو أحب إليه من العقوبة ، ورحمته سبقت غضبه ، يقول أنس بن مالك : سمعت رسول الله يقول : " قال الله تعالي : يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك علي ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " رواه الترمذي .

* حسن ظن النبي :

1- روي أبو داود عن أبي موسى قال : كان النبي إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال : " بشروا ، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا " . وقال أنس : كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع "يا راشد"، "يا نجيح" ، وكان يحب الفأل الحسن لأنه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل فيحسن الظن بالله عز وجل .

وعندما قدم إلي المدينة بعد الهجرة سمع رجلا ينادي : يا سالم فقال : سلمنا إن شاء الله ، وآخر ينادي : يا ناصر ، فقال : نصرنا إن شاء الله ، وثالث ينادي علي غلام له : يا نجيح فقال : نجح أمرنا إن شاء الله . وعندما أو فدت قريش رجلا منها لصلح الحديبية وهو سهيل بن عمرو قال : سهل أمركم إن شاء الله .

2- روي الطبراني عن أبي ثعلبة الخشني قال : كان رسول الله إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يُثني بفاطمة ثم يأتي أزواجه ، فقدم من سفر فصلى في المسجد ركعتين ثم أتى فاطمة فتلقته على باب البيت فجعلت تلثم فاه وعينيه وتبكي ، فقال : ما يبكيك ؟ فقالت : أراك شعثا نصبا قد اخلولقت ثيابك ، فقال لها : لا تبكي فإن الله قد بعث أباك بأمر لا يبقى على وجه الأرض بيت ولا مدر ولا حجر ولا وبر ولا شعر إلا أدخله الله به عزا أو ذلا حتى يبلغ حيث بلغ الليل " .

ما بشرها بالنعيم ورغد العيش ، ما قال لها : غدا نستريح ونلبس أفخم الثياب ونأكل أشهي الطعام ، بل بشرها بنشر الدين والهداية ودخول الناس في رحمة الله ، هذا هو مقصده وغايته التي يعيش لها ويموت لها ، أليس هو البشير النذير رحمة الله للعالمين ؟؟

هذا هو يقين نبينا وهذا أمله ورجاؤه في الله ، وهو قدوتنا نتعلم منه الرجاء واليقين والثقة والإيمان . بل أعظم صورة تحكي عظمة هذا الدين وهو يزرع الأمل والرجاء في قلوب المؤمنين هذا الحديث الذي أكد به المصطفي علي مهمة المسلم في هذه الحياة وهو أنه يزرع الخير وينشر الحق أينما وكيفما كان ، فهو يُعمِّر الحياة ولا يدمرها :

روي أحمد عن أنس أن النبي قال : " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها " . لماذا لم يقل إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليسجد لله سجدة يختم بها حياته ؟ كما أن الغرس يحتاج إلي سقاية ورعاية وحصاد ، فمن سيقوم بهذا كله والساعة تقوم ؟ بل من ينتفع به بعد قيام الساعة ؟ ولكنه يُعلِّم هذه الأمة أن تزرع الخير في الحياة ولا تيأس من فعل الخير والمعروف حتى آخر رمق في حياة المسلم

* حسن ظن الأنبياء :

1- كم من إنسان تحيط به الهموم من كل جانب ولا يري لهمومه فرجا ومخرجا ، فيا من ظن أن لا مخرج له مما هو فيه هل لو رأيت إنسانا سقط في قاع الماء وهو في بطن حوت كبير وأراد أن يصرخ أو يستغيث فهل يسمعه أحد ؟؟ هذا هو يونس ، في ظلمات ثلاث : ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت ولكنه ما قطع حبل الرجاء والأمل ، وأحسن الظن بربه أنه يري مكانه ويسمع دعاءه ، وناجي ربه قائلا : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فهل استجاب له ربه أم تركه وحيدا يهلك في هذه الظلمات ؟؟ " وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين " .

ولما سمع الصحابة هذه الآية قالوا : يا رسول الله أهذا ليونس خاصة ؟ قال : لا بل للمؤمنين عامة ألم تسمعوا قول الله تعالي : " وكذلك ننجي المؤمنين " ، لهذا ما من إنسان يقع في كرب شديد لا يكاد يري منه مخرجا فليكثر من هذا الدعاء ويحسن الظن بربه فيجعل الله له فرجا ومخرجا مما هو فيه .

* الأمل وحسن الظن في حياة الصالحين :

إن الإنسان يتعرض في هذه الحياة لمخاطر وشدائد تملأ قلبه بالخوف والهلع ، ومهما كانت مخاوف الناس فهي لا تساوى خوف أم ترى ولدها يتعرض للموت ذبحا ، فهي تنسى نفسها ومن حولها وما حولها إذا أصيب ولدها بسوء ، حتى أن هذه الأمومة قد أودعها الله في عالم الحيوان فضلا عن عالم الإنسان فقد تضحي الأم بحياتها إذا أحست بالخطر يحوم حول صغيرها ليعيش ولدها .

ماذا تفعل أم موسى وقد وضعت وليدها في بيئة تذبح فيها الأطفال أمام الأمهات ، إنها كأم تحاول أن تخفيه عن العيون وتحميه عن الناس ، ولكن الله أوحي إليها أمرا شديدا وهي أن تلقيه في اليم إن خافت عليه ، وهنا السؤال : لو استشارت أم موسى أهل الأرض جميعا فهل هناك من كان يشير عليها بإلقائه في البحر ؟! الذي يريد أن يحفظ شيئا هل يلقيه في الماء أم يحفظه من الماء ؟ " وأوحينا إلي أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " ، هذا وعد الله لها بأن يحفظه ويرده إليها سالما ، فهل أحسنت الظن بربها وأطاعت أمره رغم شدة الأمر عليها أم ترددت وتشككت وأبت ؟؟ ومن بلاغة القرآن أن هذه الآية فيها أمران ونهيان وبشريان : الأمران هما : أن أرضعيه وألقيه في اليم ، والنهيان : لا تخافي ولا تحزني ، والبشريان : إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين .

لما أحسنت ظنها بربها وتوكلت عليه ثقة به سبحانه ، هل ضيَّعها وضيَّع ولدها ؟ بل لقد حمله الماء إلي بيت عدوه الذي يبحث عنه وقتل من أجله الألوف من الأطفال الأبرياء ، وأصبح الشغل الشاغل لبيت فرعون البحث لهذا الرضيع عن مرضعة ، لأنه أبي أن يأخذ ثدي أي امرأة من المرضعات : " وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم علي أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون . فرددناه إلي أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون " ، ولم يكن هناك بعد طول انتظار إلا أم موسى ، ما إن التقم ثديها حتى رضع منها ففرحوا فرحا شديدا . ترضع ولدها في بيت فرعون آمنة مطمئنة وتأخذ الأجرة من فرعون ، من يقدر علي هذا غير الله ؟ ألا توَّحِد الله وتتوكل عليه وتفوض أمرك إليه ؟؟!! كم قتل فرعون من أطفال أبرياء من أجل موسي ، ويأبي الله إلا أن يربيه في بيته ، وحمله النهر إلي بيته فهل استطاع أن يمس منه شعره ؟ هذا قصص القرآن قصص الحق يمحو الله به كل شك وريبة لتطمئن القلوب بربها وتحسن ظنها بخالقها ورازقها .

* ما هي المنافع التي تعود علي العبد إذا أحسن الظن بربه ؟

أولا : يصحح له توكله علي الله ويستشعر قرب الله منه ومعيته له ، يقول ربنا في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " رواه والبخاري ومسلم عن أبي هريرة .

وهذا أعظم المتوكلين علي الله إيمانا وتصديقا ويقينا وهو نبينا المصطفي ماذا قال لأبي بكر في الغار حينما نظر إليهم أبو بكر خائفا يقول : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا ؟ هل قال له : يا أبا بكر لا تخف لقد رتبنا الأمور وأحسنا كل شيء ؟ لا ، بل رده إلي المعية : قال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، ومن كان في معية ربه فهل يخشي مخلوقا ضعيفا ؟؟!! انظر إلي ثمرة حسن الظن بالله وصدق التوكل عليه : " فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلي وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم " .

ثانيا : يدعوه إلي المسارعة إلي التوبة عند التلبس بذنب أو معصية ، فالله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره ، فلا ييأس من ذنبه ولا ييأس من حياته ، بل يحسن الظن بربه الكريم الرحيم والودود ، وانظر إلي لمحة في هذه الآية التي ذكرت عظم فضل الله مقابلة مع غرور الإنسان وانتفاخه الكاذب : " يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم " ، لم يقل : ما غرك بربك المنتقم ولا بربك الجبار ولا بربك القهار ، بل قال ما غرك بربك الكريم ، هل غرك طول حلمه وسعة رحمته ؟ ربك كريم هل وجدت منه غير الإحسان ؟ هل جاءك منه غير الفضل والعطاء والجود والكرم ؟ يتودد إلينا بالنعم وهو الغني عنا ، وكم من العباد غارقون في نعمه يتبغضون إليه بالمعاصي وهم أفقر شيء إليه ؟

* وعند ورود الشدائد يظهر ما في القلب من حسن الظن بالله ، فالابتلاء للمؤمن في نفسه وولده وماله سبب ترقية ورفع درجة وزيادة حسنة وعلامة حب ورفع مقام وليس علامة ذل ومهانة ، قال : " من يرد الله به خيرا يصب منه " أي يبتليه رواه البخاري عن أبي هريرة . وقال أيضا : " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة " رواه الترمذي عن أبي هريرة .

* حسن الظن بالله عند الاحتضار :

قال الحسن البصري : إنّ قوماً ألهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا لا حسنة لهم وقالوا نُحسن الظنّ بالله ، وكذبوا لو أحسنوا الظنّ به لأحسنوا العمل . حسن الظن بالله لا يعني التواكل والتواني وضعف الهمة ، إنما هو دافع إلي الطاعات حبا لله ورجاءا في فضله وكرمه وطمعا في نواله وعطائه .

وإذا كان الإنسان يموت علي ما عاش عليه ويبعث علي ما مات عليه ، فأصدق لحظة في عمر الإنسان هي لحظة الاحتضار وهي آتية لا محالة ، فكل عين سترى وجه ملك الموت يوما ، فاللهم أسمعنا البشرى عند موتنا إذا جاءنا الملك بالحق : يأيتها النفس المطمئنة أخرجي إلي روح وريحان ورب غير غضبان.

هذه اللحظة هي آخر عهد الإنسان بالدنيا وأول عهده بالآخرة ، يحتاج إلي أن يغادر هذه الدار علي توبة وإنابة وهو حسن الظن بربه الذي يقبل عليه ليجد الله عند حسن ظنه ، " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله " أنه سيرحمه ويغفر له ويكرمه . ويستحب عند الاحتضار تذكير المحتضر بأحسن أعماله وتذكيره بسعة رحمة الله وفضله وكرمه وعفوه ليقبل علي الله وهو حسن الظن بربه .

روى الترمذي والنسائي عن أنس ولفظهم : دخل النبي على شاب وهو في الموت فقال كيف تجدك ؟ فقال أرجو اللّه وأخاف ذنوبي ، فقال رسول اللّه : " لا يجتمعان في قلب مؤمن في هذا الموطن إلا أعطاه اللّه ما يرجو وأمّنه مما يخاف " . فاللهم أعطنا ما نرجو وأمنا مما نخاف وارزقنا الرضا والقبول وحسن الختام .

* روي البخاري ومسلم عن عائشة قالت : قال رسول الله : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه " فقلت : يا نبي الله ! أكراهية الموت ؟ فكلنا نكره الموت. فقال : " ليس كذلك ، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله ، فأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله ، وكره الله لقاءه " .

الذي يرجو لقاء ربه ويشتاق إليه عليه أن يقدم دليلا وبرهانا علي دعواه ، والدليل هو العلم النافع المتبوع بعمل صالح ، فالذي قدم لنفسه عملا مبرورا وسعيا مشكورا يريد أن يجني ثمرة كده وسعيه ، كان في الدنيا متهجدا صائما كريما سخيا صادقا أمينا مخلصا تقيا ، فهذا هو الذي يحب لقاء الله والله يحب لقاءه ، تراه دائما يسأل عن دينه يريد أن يتعلم يخاف من الخطأ والجهالة يتحري الصدق والصواب في القول والعمل ، وكأنه بلسان الحال يقول : يارب لعلك ترضي . يارب لعلك ترضي .

لما قرأت عائشة هذه الآية وكانت فقيهة بدينها بصيرة بآيات ربها قالت سألت رسول الله عن هذه الآية : " والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلي ربهم راجعون " قالت عائشة : أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : " لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات " رواه الترمذي .

والمؤمن يعتدل في قلبه الخوف والرجاء ، ولكنه حسن الظن بربه ألا يخذله ولا يحرمه وهو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين سبحانه .

وهذا أحد الصالحين وجدوه يبكي عند موته فسألوه : ما الذي يبكيك ؟ فقال : أبكي لأن المصلين سيصلون ولن أكون فيهم ، والصائمون سيصومون ولن أكون فيهم ، والذاكرون الله سيذكرون ولن أكون فيهم . اعمل لنفسك اليوم ، فليس هناك أحد سيعمل لنا بعد الموت ، من سيصلي عنك ومن سيطيع عنك ومن سيتصدق عنك ؟ " كل نفس بما كسبت رهينة " .

* أمثلة للأمل ونزع اليأس من القلوب :

* مهمة الرسل في هذه الحياة دعوة الناس إلي الإيمان ، ومن أهم منافع الإيمان وثمراته : الرجاء والتعلق بالله وحده ، وهذا الرجاء هو الذي يزرع الأمل في القلوب وينزع اليأس والقنوط من الصدور والنفوس ، فليس هناك أحد يرزق أحد ، ولا أحد ينفع أحد ، ولا أحد ينصر أحد ، ولا أحد يملك شيئا لأحد ، فكل شيء بيد الله الواحد الأحد الفرد الصمد .

هذا أساس متين وركن مكين تُبني عليه عقيدة المؤمنين ، فلا يجد اليأس إلي حياتهم سبيلا ، ويُشرق الأمل في حياتهم لأن الأرض بمن عليها وما عليها بل خزائن السموات والأرض كلها بيد الله الكريم الذي يحبونه ويعبدونه ويدعونه ولا يسجدون لأحد سواه . والمتأمل في القرآن والبصير بالسُنة والفقيه بالسيرة يري دلائل ذلك كله لا تقف عند حصر للحديث عن اليأس والأمل .

* 1- اليأس من الشفاء : قد يمرض الإنسان ويطول مرضه ، ويحار في شأنه الأطباء ، ولا يكاد يري لشفائه موعدا يتعلق به لينعم بالصحة والعافية ، وعندما تنقطع الأسباب في أمراض حار فيها الطبيب وعجز فيها الدواء فهنا يقول له الدين لا تيأس ، فالطبيب والدواء سبب وهناك المسبب رب الأسباب ، قدرته مطلقة وأمره غالب وما علينا إلا التعلق به سبحانه كما قال إبراهيم : " وإذا مرضت فهو يشفين " .

وعزاؤنا في أيوب الذي مكث في مرضه ثمانية عشر عاما فهل يأس من الشفاء ؟ وهل قطع حبل الرجاء ؟ كلا ، بل قال : " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " . فهل تركه ربه وحيدا أم أجاب دعاءه وشفاه ورد إليه صحته وعافيته وأهله وجميع ما فقده من دنياه ؟؟ " فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكري لأولي الألباب " .

إن الطبيب بطبه ودوائه * لا يستطيع دفاع أمر قد أتى

ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يبرئ منه فيما قد مضى

مات المداوي والمداوى والذي * جلب الدواء وباعه ومن اشترى

وقال الشاعر :

وكم من مريض نعاه الطبيب * إلى نفسه وتولى كئــيـبا

فمات الطبيب وعاش المريض * فأضحى إلى الناس ينعي الطبيبا

* 2- اليأس من تربية الأولاد : قد يُرزق الإنسان ذرية بنين وبنات ويبذل جهدا لصلاحهم ، ولكنهم شبوا وكبروا علي ما لا يريد ، فهل ييأس من صلاحهم ؟ إن الأب عليه البلاغ والنصيحة والتربية بالحكمة والحسني والكلمة الطيبة ، أما الهداية فهي بيد الله ، فربما رزقهم الله الصلاح والهداية بعد موت أبيهم ولا يري ثمرة كده وتعبه وجهده ، والمهم هو الصبر وعدم اليأس ، فلا يترك المهمة ولا ييأس من صلاح بنيه : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليه لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى " .

* 3- اليأس من النصر : كم ضحى الأنبياء وأتباع الأنبياء في هذه الحياة ، فهل يأسوا من نصر الله ؟ أم صبروا وثبتوا وتعلقوا بربهم رغم الأهوال التي جاءت عليهم ؟ : " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين " .

ومصدر الأمل والرجاء للأمم والأقوام كانوا هم الأنبياء الواثقين بنصر الله ، أخرج النسائي عن البراء قال: لما أمرنا رسول الله أن نحفر الخندق عرض لنا صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله ، فجاء رسول الله فألقى ثوبه وأخذ المعول وقال: (باسم الله) فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة ثم قال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر إلى قصورها الحمراء الآن من مكاني هذا) قال: ثم ضرب أخرى وقال: (باسم الله) فكسر ثلثا آخر ثم قال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض). ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله) فقطع الحجر وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر باب صنعاء ) .

نور الفتح يسطع في ظلام الحصار والشدة ، والصحابة خلف الخندق يعضهم الجوع ويؤذيهم البرد الشديد والظلام الدامس حتى قال بعض المنافقين ساخرا من هذه البشريات : إنه يبشرنا بفتح فارس والروم وأحدنا لا يستطيع أن يذهب ليقضي بولته !! قالوا ذلك لأن الله طمس علي قلوبهم فلا يرون نور الأمل يسطع وقد بشَّرت به أنوار النبوة ، وأخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى . " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " .

* 4- اليأس من الذرية والولد : كم يحن الإنسان إلي الذرية والولد ، فإذا صار طاعنا في السن وامرأته عجوز عقيم ، فماذا يفعل والأسباب كلها تقول من المحال أن يكون له ولد ؟؟ فهل ييأس المؤمن أم يولي وجهه إلي المسبب الذي لا يعجزه شيء ؟؟

هذا زكريا قد اشتعل رأسه شيبا وبلغ من الكِبَر عتيا وامرأته عجوز عقيم ولكنه دعا ربه واستغاث به فهل أجابه ربه أم لا ؟ " وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين . فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين " .

وأين بشَّرته الملائكة وزفت إليه البشري ؟ هل بشرته وهو غافل لاه ساه علي ناصية طريق يقتل وقته في غفلة وفراغ ؟ أم بشرته وهو يصف قدميه في المحراب قائما بين يدي ربه يناديه ويناجيه ؟؟ " فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين " .

أيها الموحد توضأ وصف قدميك في المحراب وادع ربك واقطع اليأس بالأمل فيستجيب لك ربك الرحيم الودود الكريم لأنك عبده وهو لا يضيع عباده .

ولما تعجب زكريا من قدرة الله المطلقة حيث كان ينظر إلي الأسباب المخلوقة قال : " قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر " ؟ هنا رد عليه المَلَك مذكرا له بقدرة من يقول للشيء كن فيكون : " قال كذلك الله يفعل ما يشاء ".

* 5- اليأس من الفرج بعد الشدة : كم من الناس يقع في هموم وغموم يتحير فيها ولا يري له مخرجا مما هو فيه ، وهنا يُذكِّره القرآن بحقيقة نتأملها في قوله سبحانه : " إن مع العسر يسرا " ولم يقل : إن بعد العسر يسرا . والمعية تعني القرب والسرعة والملازمة ، ومن هنا جاء في الأثر تعقيبا علي هذه الآية : لن يغلب عسر يسرين .

كم يتعلق الأب بولده الصغير المحبوب دونا عن إخوته الكبار ، فماذا فعل يعقوب عند فَقْد يوسف ؟ نعم بكى حزنا عليه وابيضت عيناه من الحزن ، وقال لأولاده :" إنما أشكو بثي وحزني إلي الله وأعلم من الله ما لا تعلمون " .

وبعد سنين من الغياب وانقطاع الأخبار قال لأبنائه : " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " . وإخوة يوسف الذين ألقوه في البئر بأيديهم هم الذين مدوا إليه أيديهم يقولون : " يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين " .

ولما ألقي البشير قميص يوسف علي وجه أبيه وفيه عرق الحبيب الغالي البعيد القريب ، عاد إليه بصره وعادت إليه فرحته ، ودخلوا جميعا مصر آمنين ، " ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم " .

* 6- اليأس من التوبة : قد يقع الإنسان في المعصية فهل ييأس من التوبة ؟ قد تعتاد النفس ما سقطت فيه من الوحل ، وهنا يفتح ربنا الباب لعباده حتى لا ييأس أحد من رحمة الله الواسعة ، بل إن الله يغضب ممن يُيئس عباده ويغلق أمامهم أبواب رحمته الواسعة : " ورحمتي وسعت كل شيء " ، " قل يا عبادي الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " .

روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي قال: " كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فاحرقوني ، ثم اطحنوني ، ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد ، فلما مات فعل به ذلك ، فأمر الله الأرض فقال : اجمعي ما فيك منه ، ففعلت ، فإذا هو قائم ، فقال : ما حملك على ما صنعت ؟ قال : يا رب خشيتك ، فغفر له " .

لو أذنبت في اليوم ألف مرة فلا تنقطع عن ربك ومولاك ، بل بادر لتمحو كل سيئة قديمة بحسنة جديدة ، " أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " .

من أعظم من الله كرما وجودا وهو الغفور الرحيم الودود الكريم ؟؟

   طباعة 
7 صوت

::: التعليقات : 0 تعليق :::

::: إضافة تعليق :::


9 + 4 =

/500

::: جديد المقالات :::

حقوق العلم على المسلم - مقالات علمية للشيخ
كيف نتدبر القرآن - مقالات علمية للشيخ
إنا كفيناك المستهزئين - مقالات علمية للشيخ
خطر الكلمة - مقالات علمية للشيخ

::: روابط ذات صلة :::

المقالة السابق
المقالات المتشابهة المقالة التالي

 

الرجاء ملاحظة أنك بحاجة للبرامج التالية للاستفادة من المواد بالموقع:

Download Windows media Player

http://www.baitona.net