« 4. الرحمة . »






  



  " الرحمة "



                         



     روي أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر  قال : قال رسول الله  : " الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " .



  الأصل في الحياة هو الرحمة ، والحياة بلا رحمة عذاب ، ومما وصف الله به نفسه " ورحمتي وسعت كل شيء " ، وكم من مظاهر رحمة الله في هذا الوجود : من إشراقة شمس . ونزول مطر وغيث . وعاطفة أمومة حتى في عالم الحيوان ، وكل مظاهر الرحمة في الحياة ما هي إلا قطرة من بحر رحمة الله ، فالله خلق الرحمة مائة جزء وأنزل في الأرض جزءا واحدا وبه يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ، وأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة يرحم بها الخلائق يوم القيامة .



 



* رجع الصحابة من غزوة ذات الرقاع فنزلوا يستريحون في واد كثير الشجر ، فوجد أحدهم عش طائر فيه صغار فأمسك بهذه الطيور الصغيرة ، فلما جاءت الأم ولم تجد صغارها في عشها جاءت مسرعة إلي من أمسك بأولادها وجعلت ترفع نفسها في الأرض أمامه وتخفضها وكأنها تتوسل إليه وتستعطفه ليرحم أولادها ، فاجتمع الناس حولهم ، وهنا جاء دور نبي الرحمة المعلم المربي  فقال للناس : " أتعجبون من رحمة هذا الطائر علي صغاره ، والذي نفسي بيده لله أرحم بعباده من هذه بولدها " .



   الرحمة بهذا الإنسان تبدأ من المحضن الذي يستقبله في بطن أمه حيث يسمى : الرحم ، وهو مشتق من الرحمة ، حيث ينشأ فيه الجنين محاطا بأغشية ثلاث ، وذلك ليتم بناؤه واكتمال نشأته في محضن طاهر أمين .     



  ربنا هو الرحمن الرحيم ، ورسولنا رحمة للعالمين ، وكتابنا شفاء ورحمة وهدى للمؤمنين ، ونريد أن يرحمنا ربنا فما هو السبيل ؟ روي الطبراني والحاكم عن أبي موسى  قال : قال رسول الله  : " " والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تراحموا قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم؟ قال: إنه ليس برحمة أحدكم خاصة ولكن رحمة العامة " . فمن أين نبدأ ؟؟



 



* 1- الرحمة بأنفسنا :



  ارحم نفسك أولا قبل غيرك . ارحمها بحسن الصلة بالله وحسن طاعته والإقبال عليه ، " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " . وقال سبحانه " ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين " ، روي مسلم عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله  حين أنزل عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} : " يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله ، لا أغني عنكم من الله شيئا ، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا ، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا ، سليني من مالي ما شئت ، لا أغني عنك من الله شيئا " .



 



* 2- الرحمة بالوالدين :



  الرحمة بأصل وجودنا ، هما بابان إلي الجنة أو إلي النار ، قال ربنا سبحانه " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا " ، وأخرج الحاكم والبيهقي عن عائشة  قالت: قال رسول الله  : " نمت فرأيتني في الجنة، فسمعت قارئا ، يقرأ ، فقلت من هذا ؟ " قالوا : حارثة بن النعمان ، فقال رسول الله  : " كذلك البر كذلك البر كذلك البر" قال: وكان أبر الناس بأمه.



 



* 3- الرحمة بالزوجة :



  الرحمة بين الزوجين آية من آيات الله ، علي العقلاء أن يقفوا عندها متفكرين " ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " ، والنساء شقائق الرجال .



  ليس في الإسلام معركة بين الرجال والنساء ، وليس في الإسلام حقوق ضائعة مهضومة للمرأة ولا مسلوبة ، وإن كان هناك فهم مغلوط فمرجعه لسوء فهم لا لفساد منهج ، وأخرج الترمذي عن عائشة  قالت: قال رسول الله  : " خيركم خيركم لأهله ، وأنا خيركم لأهلي " . وكانوا في أحد الأسفار وهناك حاد يحدو بصوت عذب جميل وهذا الرجل هو أنجشة  ومن عذوبة صوته كانت تتمايل الإبل من عذوبة صوته وحدائه فكان النبي  يخاف علي الركاب من النساء فيقول له : رفقا بالقوارير يا أنجشة . سماهن قوارير ، كيف تحفظ الزجاجة بحرص وعناية حتى لا تنكسر . وآخر وصاياه  قبل خروجه من الدنيا : واستوصوا بالنساء خيرا .



 



* 4- الرحمة بالأبناء :



  دخل النبي إلي الصلاة يوما فأطال السجود حتى ظنوا أنه قبض فلما كلموه في ذلك ماذا قال ؟ روي أحمد والنسائي عن شداد بن الهاد  قال : دعي رسول الله  لصلاة فخرج وهو حامل حسنا  أو حسينا  فوضعه إلى جنبه فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطال فيها، فرفعت رأسي من بين الناس فإذا الغلام على ظهر رسول الله  فأعدت رأسي فسجدت، فلما سلم رسول الله  قال له القوم: يا رسول الله! لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها فكان يوحى إليك؟ قال: لا، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته .



  ورآه بعض الأعراب يقبل الحسن أو الحسين فقال له : أتقبلون صبيانكم ؟ فتعجب من سؤاله وقال : نعم ، قال : ولكنا والله ما نقبل فنظر إليه وقال : " أو املك إن كان الله نزع الرحمة من قلبك " . رواه أحمد عن عائشة  .



  وكم من الآيات تعتني بالوليد قبل ولادته وبعد ولادته ، هل تعلمون أن ميراث التركة كله يقف ولا يقسم إذا ثبت الحمل من جنين له حق في الميراث .



   وجاءت أحاديث في فضل تربية البنات لم يأت مثلها في شأن تربية الأولاد الذكور ، وأخرج الطبراني والبيهقي عن عوف بن مالك  أن رسول الله  قال : " ما من مسلم يكون له ثلاث بنات فينفق عليهن حتى يبن أو يمتن إلا كن له حجابا من النار. فقالت امرأة : أو بنتان ؟ فقال : أو بنتان. فيا من رُزقت بناتا أحسن إليهن فهن حجابك من النار ، وذلك رحمتك عليهن وحسن تربيتهن.  
 



* 5- الرحمة بالأقارب والأرحام :



  فالرحم تأتي يوم القيامة متعلقة بعرش الرحمن تقول : يا رب هذا مقام العائذ بك من القطيعة فيقول لها : من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته " ، ذوي الأرحام من الرحم والرحمة ، وهي تزيد في العمر ، وتزيد في الرزق ، وتقي ميتة السوء .  



 



* 6- الرحمة بالمسلمين :



  دون النظر إلي لون أو جنسية فهذا الدين سوى بين الناس والمسلم أخو المسلم ، قبل الإسلام كان عرب وعجم ، واما بعد الإسلام فمسلم وغير مسلم ، لا فضل لعرب يعلى أعجمي ولا لأبيض على أسود غلا بالتقوى " إن أكرمكم عند الله اتقاكم " ، وكم من علماء من غير العرب هم فوق رؤوسنا ولهم في أعناقنا ديون لا يفيهم إياها إلا الله ، أيس منهم الإمام البخاري صاحب الحديث من بخارى ؟ والإمام مسلم من نيسابور ؟ والإمام الترمذي من ترمذ ؟ 



  والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ، وصف الله الصحابة في القرآن بقوله : " محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود " . وأمر نبيه  بهذه الرحمة فقال : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله إن الله يحب المتوكلين " . وقال  : " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله  " رواه مسلم .



  المسلم أخوك في المشرق أو المغرب ، وهكذا يريدنا الله أمة واحدة تعبد ربا واحدا : " وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " . 



 



* 7- الرحمة بالحيوان :



  رأي النبي  شباب يعبثون بعصفور ويجعلونه غرضا للرمي يتدربون عليه فنهى أن يجعل كل ذي روح غرضا للرمي فقال : " من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة منه يقول: يا رب! إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة " رواه أحمد عن الشريد بن سويد  .



 



* 8- الرحمة بالنبات والجماد :



  كان من وصايا الأمراء للجنود قبل الغزو هذه الكلمات عن أبي بكر  حينما خرج يشيع جيش أسامة  فقال: لا تخونوا، ولا تغلوا ولا تغدروا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرة مثمرة .



 روي البخاري عن سهل بن سعد  عن النبي  قال : " أحد جبل يحبنا ونحبه " ، ما هذه العاطفة تجاه جبل ليس فيه إلا الصخور والحصى ؟ إنها رحمة المؤمن بكل ما يراه من خلق الله يسنح بحمده وإن لم نكن نفقه تسبيحهم .



 



* 9- الرحمة بعموم البشرية :



  لم يجد الناس في عصور البشرية أحدا أرحم بهم من المسلمين ، حتى أن بعض علماء المسلمين ألف كتبا في حقوق أهل الكتاب ومنها كتاب ابن القيم " أحكام أهل الذمة " كم ضاعت حقوق المسلمين وسالت دماؤهم ظلما وعلماؤنا يضعون كتابا لحفظ حقوقهم ؟؟ ولم يحدث مرة أن خان المسلمون الصادقون عهدا أو ميثاقا ، وإنما الغدر دائما كان صفة أعدائهم :



  حينما جاء الأسبان إلي الأندلس أعطوا المسلمين اثنين وستين عهدا وميثاقا أن يحترموا دينهم ومساجدهم ويدعوهم أحرارا ، وبعد تسعة وثلاثين عاما حولوا كل مسجد إلي كنيسة وقتلوا كل مسلم ومسلمة ، ومن أبقوه شرطوا عليه الردة وتغيير اسمه !!



  وعندما فتح صلاح الدين بيت المقدس وكان به زهاء مائة ألف من الروم ، أعطاهم الأمان بالخروج والفدية ، وبعضهم لم يستطع فجاءت النسوة إليه تبكي وتصيح ، فبكى لبكائهن وأمر بإطلاق الجميع بلا فدية . وجاءت إليه امرأة تشكو أن ابنتها ضاعت ولا تدري أين هي فذرفت عيناه وأمر بالبحث عنها ولم يهدأ حتى عادت البنت لأحضان أمها .



  هكذا فعل الإسلام . وهكذا كانت حضارة الإسلام . وهكذا كانت عدالة الإسلام ورحمة الإسلام بخصومه وأعدائه قبل أهله وذويه .



 



*  أخرج مسلم عن أبي هريرة  قال: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: " إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة " .  وأخرج أحمد عن سلمان  أن رسول الله  : " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي ، أو لعنته لعنة ، فإنما أنا رجل من ولد آدم أغضب كما تغضبون ، وإنما بعثني رحمة للعالمين ، وأجعلها عليه صلاة يوم القيامة ". وأخرج البيهقي عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله  : " إنما أنا رحمة مهداة " .



 



*  الإسلام هو الذي علم الدنيا كلها معنى الرحمة ، وإذا غاب الإسلام عن الحياة فلا رحمة ولا شفقة ولا مودة ، فالشريان الذي يضخ الرحمة في عروق البشرية هو هذا الإسلام العظيم الذي تبدأ فاتحة الكتاب فيه بـ " بسم الله الرحمن الرحيم " .



  ربنا هو الرحمن الرحيم ، ونبينا رحمة الله للعالمين ، وكتابنا هو القرآن الكريم كلام الله هدى وشفاء ورحمة للمؤمنين ، وهذه الأمة أخرجت للناس تحمل هذه الرحمة بالدعوة إلي الله علي بصيرة ونور وعلم وبحكمة ورحمة وشفقة ، روى الترمذي عن النبي  قال : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا " .



 



 



 



» تاريخ النشر: 05-07-2010
» تاريخ الحفظ: 13-11-2019
» { موقع الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي }
.:: http://www.khaledabdelalim.com/home ::.