« 23. آداب عيادة المريض . »








  " آداب عيادة المريض "



 





   دنيانا لا دوام لها على حال ، فيها الفقر والغنى ، والصحة والمرض ، والغم والسرور ، والضحك والبكاء ، فيها الحياة والموت ، فالدنيا ليست نزهة ولا دارا للهو واللعب والعبث ، ولكنها دار اختبار وامتحان " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون . فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " .



  والله يبتلي عباده ليختبر صدقهم وصبرهم ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط ، لو كنا نملك الصحة لما مرضنا أبدا ، ولو كنا نملك الغنى ما افتقرنا أبدا ، ولو كنا نملك الحياة لما متنا ، ولكننا نرى في هذه الحياة أن الصحيح يمرض ، والشاب يهرم ، والحي يموت ، فمن هو الحي الذي لا يموت أبدا ؟ ومن هو الغني الذي لا تنفد خزائنه ؟ ومن هو القاهر فوق عباده ؟ يا عباد الله أءله مع الله ؟ قليلا ما تذكرون .



 



* عندما دعا إبراهيم  قومه ذكرهم بنعم الله عليه في الخلق و الهداية والرزق فقال : " الذي خلقني فهو يهدين . والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين . والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " .



  والمرض مما يبتلي الله به عباده ، فهو للمؤمن رحمة ، ورفع درجة ، وتكفير خطيئة ، " ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون " ، ولله در القائل :



          ثمانية لابد منها على الفتى            ولابد أن تجري عليه الثمانيه



         سرور وهمّ واجتماع وفرقة            ويسر وعسر ثم سقم وعافيه



 



  وإذا كان المرض ألم وشدة فمن الرحمة عيادة المريض والتخفيف عنه ، كم من مريض طريح الفراش ولا يزوره أحد ؟ كم من مريض لا يسأل عنه إنسان ؟ فهل عدت مريضا تعرفه أو لا تعرفه ؟ ألا نعلم أنه سيكون عتاب شديد يوم القيامة من الله جل وعلا لمن شغلته همومه ودنياه عن الرحمة على عباد الله ؟



  روي مسلم عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله  : " إن الله تعالى يقول يوم القيامة : يا ابن آدم ، مرضت فلم تعدني . قال: يا رب ، كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم ، استطعمتك فلم تطعمني. فقال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنه استطعمتك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم ، استسقيتك فلم تسقني . قال : يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ؟ أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " . 



  احمدوا الله على نعمة العافية ، احمدوا الله على نعمة الصحة ، فقد قال رسول الله  : " سلوا الله العفو والعافية ، فإن أحدا  لم يعط بعد اليقين خيرا من العافية  " رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي بكر  .



 



* وروي البخاري والترمذي عن ابن عباس  قال : قال رسول الله  : " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ " . اشتكى عروة بن الزبير الآكلة في رجله، فقطعوها من ركبته، وهو صامت لم يئن، وفي ليلته تلك سقط ولد له من سطح فمات، فقال عروة: اللهم لك الحمد، كانوا سبعة من الولد فأخذت واحدا وأبقيت ستة ، وكان لي أطراف أربعة ، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة ، فإن كنت أخذت فلقد أعطيت ، ولئن كنت قد ابتليت لقد عافيت .



 



* المؤمن كله خير ومنفعة ما إن يدعى إلى باب فيه بر وطاعة وصلة ومعروف إلا سارع إليه ابتغاء وجه الله ، ورغبة في الأجر والثواب ، كم من مرة رغب فيها النبي  في عيادة المريض قولا وعملا ،



  فمن سنته القولية :



1- ما رواه الترمذي وابن ماجه  عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله  : " من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا " .



 



2- وروى الترمذي عن علي  قال : قال رسول الله  : " ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي ، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة " خريف : أي بستان له ثمر .  



  ومن سنته العملية :



1- ما رواه البخاري  عن ابن عباس  أن النبي  دخل على أعرابي يعوده ، وكان إذا دخل على من يعوده قال : " لا بأس طهور إن شاء الله " .



 



2- وروى البخاري ومسلم عن عائشة  أن النبي  كان يعود بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول : اللهم رب الناس ، أذهب البأس، اشف أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما " .



 



3- بل إن جبريل عاد  النبي لما مرض ورقاه ودعا له ، وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري  أن جبريل أتى النبي  فقال : " يا محمد اشتكيت ؟ قلت : نعم ، قال : بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد بسم الله أرقيك الله يشفيك " .



 



4- قال عثمان بن عفان  : " إنا والله قد صحبنا رسول الله  في السفر والحضر ، وكان يعود مرضانا ، ويتبع جنائزنا ، ويغزو معنا ، ويواسينا بالقليل والكثير " .



 وهذا الشافعي يعود مريضا فينشد شعرا يقول :



مرض الحبيب فعُدْته.. ... ..فمرضت من حذري عليه



فأتى الحبيب يعودني.. ... ..فشُفيت من نظري إليـه



 



* وعلمتنا السنة آدابا لعيادة المريض :



1- الرقية والدعاء له بالشفاء والعافية فهذا يفتح له باب الأمل ويبشره برحمة الله ، روى أبو داود والترمذي عن ابن عباس  عن النبي  قال : " ما من عبدٍ مسلم يعودُ مريضًا لم يحضر أجلُهُ فيقول سبع مرات : أسأل الله العظيم ، رب العرش العظيم أن يشفيك ؛ إلا عُوفي " .



 



2- نوصيه بالصبر وترك التسخط والشكوى المفضية إلى سب المرض واليأس والجزع ، روى مسلم عن جابر  أن النبي  دخل على أم السائب يعودها فقال : مالك  يا أم السائب تزفزفين ؟ - أي ترتعدين - " قالت : الحمى. لا بارك الله فيها. فقال : " لا تسبي الحمى. فإنها تذهب خطايا بني آدم . كما يذهب الكير خبث الحديد " .



 



3-  نذكره بما له عند الله من أجر ومنزلة جزاء صبره واحتسابه ، روى أبو داود عن أم العلاء  قالت : عادني رسول الله  وأنا مريضة فقال : " أبشري يا أم العلاء ، فإن مرض المسلم يذهب الله به خطاياه كما تذهب النار خبث الذهب والفضة " .



 



4- ومن هذه الآداب إدخال السرور على قلب المريض والتنفيس له في الأجل ، وعدم إطالة الجلوس عنده ، واختيار الكلمات الطيبة وقصص من أصيبوا بمثل مرضه فعافاهم الله ومنًَ عليهم بالشفاء .



 



*  كم من مريض كان ميؤسا من شفائه قد شفاه الله بلطفه وعنايته ، فالله به رحيم وعليه أن يحسن الظن بربه ويوقن بقدرته ، ومن رحمة الله بالمريض خفف عنه التكليف فشرع له التيمم إذا لم يستطع الوضوء ، وأباح له الصلاة قاعدا أو على جنبه إذا لم يستطع القيام ، ولكنه لم يسقطها عنه لعظم شأنها ، فالصلاة لا تسقط بحال من الأحوال ، وصلاة المريض رحمة له فهو يقف بين يدي ربه صابرا على بلائه ، ودعاء المريض مستجاب لا يرد .



   البشرى لكل مريض أعاقه مرضه عن القيام بالسنن والنوافل التي كان يواظب عليها إبان صحته ، بأنها مكتوبة له لا يضيع أجرها ، روى البخاري عن أبي موسى  قال : قال رسول الله  : " إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل مقيما صحيحا " . ثم ليعلم المرضى أن الأنين والتوجع له حالتان :-



الأولى: أنين شكوى فيكره . والثانية : أنين استراحة وتفريج ، فلا يكره .



 



* وأيوب  يُضرب به المثل في الصبر ، وما أصبح مضرب الأمثال إلا لثباته أمام المحنة ، ولم تغيره أحداث الحياة ولم يتلون أمام المصائب والشدائد ، بل ظل عبدا لله شاكرا له راضيا صابرا ، وقد ابتلي في جسده وولده وماله ورزقه ، كان غنيا فصار فقيرا ، وكان صحيحا فصار مريضا ، وكان له أسرة وأهل وولد فذهب ذلك كله وانصرف عنه القريب والبعيد .



  لقد كان بين أهل وعشيرة فصار وحيدا فريدا ولم تبق معه إلا زوجته صابرة معه تخدمه وترعى مصالحه .



  فقد ابتلي من كانوا قبلنا فما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا ، بل صبروا علي ما أوذوا حتى أتاهم نصر الله ، وهكذا كل مؤمن في حياته ابتلاء وامتحان : فهل سيظهر منه الرضا بالقضاء والقدر أم سيذهب يشكو الله إلي خلقه ؟؟!!



 



* " وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ  " . الخطاب هنا للنبي  حتى يستأنس بذكر من سبقوه من المرسلين الذين حملوا الأمانة وتحملوا في سبيلها الآلام والمصاعب وصاروا مضرب المثل في الصبر والتقوى ، وفي قوله " عبدنا " تنويه بشأن العبودية وأنها تعني التضرع والخضوع والإنابة والخشية والإيمان بأقدار الله ، فهذا هو العبد حقا : راضيا بحكم ربه ، شاكرا لنعم ربه ، صابرا علي بلائه ، يحمده في السراء والضراء ولا يفتر عن ذكره في منشط ولا مكره ولا في صحة أو مرض . دعا ربه قائلا : " رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين " .



  فما أن أتم دعاءه حتى استجاب له الرحمن وأمره ان يضرب الأرض برجله ،



 



كيف كان شفاؤه ؟



  بشربة ماء طهر باطنا وبالغسل في عين ماء طهر ظاهرا : " اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " ، فهل اعترض وناقش أمر ربه وقال : إني مريض فكيف أضرب الأرض بقدمي ؟ ولكنه أطاع فورا دون مناقشة ، فنبع من تحت قدميه عينان من الماء ، فأمره ان يغتسل من إحداهما ويشرب من الأخرى ، فلما اغتسل ذهب ما به من ضر ظاهر ، ولما شرب ذهب ما به من ضر باطن ، فتكاملت له العافية ظاهرا وباطنا .



  ألا تسبح بحمد ربك ؟؟!! إنه القادر علي أن يذهب عنك جميع الأمراض والأسقام بشربة ماء ، فليس هناك مرض يستعصي عليه سبحانه أن يذهبه ، ما هو إلا غسل وشراب حتى قام معافى ، فهل يقدر علي ذلك غير ربك ذو الجلال والإكرام ؟؟!!!



 



* روي الترمذي وابن ماجه عن عبيد الله بن محصن  قال : قال رسول الله   : " من أصبح منكم آمنا في سربه ، معافى في جسده ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " .



  كم لله علي عباده من نعم ظاهرة وباطنة لا يحصيها العد ، " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " ، نعمة الأمان في الديار ، ونعمة العافية في الأبدان ، ونعمة القوت للبطون ، فالحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده .



 إذا أسمعك الله كلامه وحبب إليك الإيمان والطاعة وكرّه إليك الكفر والفسوق والعصيان فقل الحمد لله . إذا رأيت مريضا أو مبتلى ثم رأيت جسدك سليما معافى فقل الحمد لله . إذا ستر الله عليك ذنوبك وخطاياك فلم يكشف سترك بين عباده فقل الحمد لله ، إذا جاءتك نعمة بلا استحقاق فقل الحمد لله .



 



* روي الترمذي عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله   : " من رأى مبتلى فقال : " الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به ، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا " ، لم يصبه ذلك البلاء " .



   وروي الإمام مالك في الموطأ قال : بلغني أن عيسى  قال لقومه : " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله تعالى فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون. ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا فيها - أو قال في ذنوبكم - كأنكم عبيد ، فإنما الناس رجلان معافى ومبتلى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا الله على العافية " .



  ليس هناك نعمة بعد الإيمان أكبر من نعمة العافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، لهذا نسأل الله : تمام العافية ودوام العافية ودوام الشكر علي العافية .   



 



» تاريخ النشر: 05-07-2010
» تاريخ الحفظ: 06-08-2020
» { موقع الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي }
.:: http://www.khaledabdelalim.com/home ::.