حوار مع فضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي







كتبهاماهر سقا اميني ، في 3 مارس 2009
الساعة: 04:17 ص






لقاء مع فضيلة الشيخ الدكتور خالد عبد العليم متولي




من
خلال عمله في مجال التحاليل الطبية – رغم حصوله على المؤهلات الشرعية – لم
يحجب بصره وبصيرته عن غاية المسلم في الحياة ومهمته الأولى فيها " قل إن
صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " ، بل وجد ان عمل الدعوة وما
يتبعها من كثرة الأسفار والتأليف في العلوم الشرعية والخطابة فيه أثر كبير
في قلوب الناس، ولاسيما إذا علموا أنه مثلهم صاحب وظيفة ومهنة وليس منقطعا
لهذا العمل التطوعي ، ورغم وجود مشاغله الدنيوية فقد وجد في أنوارالطاعة
والعمل للدين بركة في الرزق وحبا في قلوب الخلق
كما يقول -


اجرى الحوار ماهر سقا اميني



1-
سيدي يعيش العالم الاسلامي اليوم حالة ركود وعطالة جعلته في حالة من الشلل
التام ، ويعيش المسلم اليوم أكثر نهاره في عمله الذي يكسب به رزقه وقد
يؤدي فرائضه ويتصور ان هذا كاف لدنياه واخرته ، وانتم قد جمعتم بين العلوم
الشرعية والعلوم الكونية، وبين الخطابة والدعوة الى الله في الحل والترحال
وفي التاليف والاعلام والعمل الدنيوي كرئيس شعبة التحليل المخبري في دائرة
الصحة في دبي ماتعليقكم على ذلك .



الحمد لله ولي المتقين ، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وبعد.


سؤالك من شقين : والإجابة على الشق الأول أقول وبالله التوفيق :



كثير من الناس يحركهم المال للسعي والعمل والكد في هذه الحياة ، وبعد ان
يحركهم المال للسعي يصبح هو الغاية والمعبود ، وهذه الدائرة النكدة
المغلقة هي سبب مصائب غير المسلمين ، ولكنها ألقت بظلالها على المسلمين ،
وتلك هي إحدى النتائج المرة الفاسدة لما يسمونه بالعولمة ، حيث أصبح
العالم كله في سفينة واحدة إذا غرقت غرق كل من فيها .



والمسلم مميز عن غيره في الدوافع المحركة للسعي والطلب وكذلك في الغايات
والمقاصد ، فهو يسعى طاعة لله الذي أمر بالسعي والأخذ بالأسباب مع يقينه
أن الله هو الذي سيرزقه وليس السبب ، والغاية من هذا السعي هي قضاء
الضرورة والحاجة وليس المباهاة والمكاثرة ، ومن هنا ان قلَّت الأموال
وضعفت الأسباب فإنه لا يتفكك ولا ينهار ، ولا يبحث عن الانتحار كوسيلة
لخلاصه من ألم الفقد والحرمان في هذه الحياة، كما يحدث في بلاد حائرة
ضائعة تدعي الحضارة والمدنية بينما العقد النفسية تنخر في كيانهامن الداخل.



هذا بالضبط هو أصل الكارثة التي حلت بالمسلمين نتيجة التبعية الفكرية
والانفعالية للغرب والشرق ، ووقوعهم فريسة الانبهار الكاذب بحضارة ظاهرها
الرحمة وباطنها العذاب .


وهنا حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن قلب المسلم وعقله عندما يقرأ الواقع ويترجم أحداث الحياة ببصيرة واعية:

السعي على المعاش عبادة، مهما كانت النتائج المترتبة على هذا السعي ، لأن
المسلم مأمور بالسعي امتثالا لأمر الله، أما النتائج فهي في يد الله
سبحانه ، فقد يأخذ المريض الدواء ويموت فهل نترك التداوي والعلاج ؟ قد
يتاجر التاجر ويخسر رأس ماله ولا يربح فلسا فهل نتوقف عن التجارة ؟ قد
يزرع الزارع أرضه وتأتي عاصفة او صاعقة فتحرق بستانه فهل نكف عن الزراعة ؟


ولكن
قد يتوهم البعض أن قيام المسلم على هموم معاشه مع أداء فرائضه كاف لنصرة
دينه ، وأداء حق الإسلام عليه ، والحق الذي لا مرية فيه أن الهموم التي
تزحم القلوب كثيرة ولكن الهمّ الأكبر الذي يملأ قلب المسلم وكيانه ينبغي
أن يكون هو همّ الآخرة وهمّ الإسلام ، المسلم له في هذه الحياة رسالة وهو
صاحب غاية وعقيدة ، فهو لا يعيش لنفسه وإنما هومكلف من
ربه أن يكون داعيا يأخذ بيد من حوله من ظلمات الحياة المتراكمة إلى النور
الذي يعيش في كنفه ويسعد بهداه . وخدمة الدين ليست مقصورة على طبقة أو فئة
بعينها ، بل كل مسلم مكلف في حدود دائرته وعمله ومهنته ، ويمكنه خدمة
الإسلام من خلال نشاطه في الحياة صانعا وزارعا وطبيبا ومدرسا كما كان
الصحابة والسلف الصالح في مهنهم الدنيوية وفي ذات الوقت حملوا أنوار الدين
وكانوا هداة مهتدين . والدليل الذي يؤكد ما سبق هو انتشار الإسلام في
أفريقيا وغيرها من القارات عبر التجار المسلمين الذين ضربوا في الأرض
للتجارة ولكنهم في ذات الوقت حملوا معهم الدعوة سلوكا وعملا وقولا ، فلم
تمنعهم التجارة عن الدعوة ، فكسبوا الدراهم وربحوا الحسنات ، حتى قال بعض
الكتاب : حيثما وصل المسلم وصل الإسلام

والإجابة على الشق الثاني من السؤال :



أنه هناك حقيقة يؤكدها ديننا في نصوص كثيرة وهي أنه لا انفصام بين ديننا
ودنيانا ، فالدين هو الذي شرع لنا منهج الحياة في العقيدة والعبادات
والمعاملات والمعاشرات والأخلاق ، وهذه الشعب الخمسة هي الدين الكامل الذي
ارتضاه الله لنا ، ونزلت هذه الآية في حجة الوداع : " اليوم أكملت لكم
دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " .



أريد التأكيد على شئ تميزت به شريعة الإسلام وأكدته نصوص الكتاب والسنة
وهو : أنه لا رهبانية في الإسلام وكذلك لا شهوانية في الإسلام ،
فالرهبانية انقطاع عن الحياة بسبب العبادة ، والشهوانية انكباب على الحياة
مع نسيان الآخرة ، ولكن الإسلام جاء بالربانية ، وهي عمارة الحياة بالدين
، وعلمنا كيف تصبح دنيانا دينا بطاعة ربنا ، فالزواج عبادة رغم أنه شهوة
وحظ للنفس ، والتجارة والبيع والشراء عبادة ، والتاجر الصدوق الأمين مع
النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة ، و قد قال النبي صلى الله عليه
وسلم : " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وأشار بالسبابة والتي تليها "
، وقال ايضا لما سئل عن أفضل الكسب فقال : " بيع مبرور ، وعمل الرجل بيده
" .


وهنا لا بد من تقرير بعض الامور


· لا
يمنعني ديني بلوغ أرقى مراتب العلم بل يدفعني إلى هذا دفعا وترغيبا ،
فالمسلم أحق بهذه العلوم من غيره ، والجمع بين العلوم الكونية والشرعية
كان من عادة سلف الأمة الصالح ، فالإمام الرازي صاحب التفسير الكبير كان
طبيبا ، وابن رشد صاحب كتاب " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " في الفقه
المقارن هو صاحب كتاب " الكليات " في الطب ، و
الإمام
الخوارزمي كان يعالج بعض مسائل الميراث في الفقه ، فوجد نفسه يضع علم
الجبر في الحساب وهو العلم الذي تدين له الدنيا كلها وبدايته كان لفقيه من
فقهاء الأمة
.


· البركة في العمر وفي الوقت من الله بحسب الهمم في القلوب ، والهمم أرزاق ، ولولا عون الله للعبد لما أنجز شيئا ، فكم من اعمار قليلة بارك الله فيها وأنجز أصحابها اعمالا
جليلة في سنوات قليلة تنتفع بها البشرية إلى يومنا هذا ، ومن هنا نصيحتي
للشباب : لا تقتلوا أوقاتكم فالوقت هو الحياة ، ومن يقتل وقته فكأنما يقتل
نفسه ، لا تضعوا أغلى فترات أعماركم في قبر الغفلة ، وإذا كان الله في عون
العبد ما كان العبد في عون أخيه ، أفلا يكون الله في عون العبد إذا كان العبد في عون نفسه لبلوغ ما يرضيه ؟؟!!!




2-
كان الوالد والجد من الوالدة ولمشايخ الحي دور كبير في صياغة شخصيتكم
الفعالة والمنجزة بل ولعلي اقول المبارك فيها، هل يمكن أن تحدثنا قليلا عن
هذا الجو الذي يبدو مثاليا وأين أسر اليوم من كل هذا.





صحبة العالم المربي لها أبلغ الأثر في صياغة العقل وتطهير النفس وبناء
الأسس الصحيحة الراسخة لعلم نافع يثمر عملا صالحا ، ومما أفادني في مقتبل
حياتي نعمة الله عليَّ بصحبة جدي للوالدة رحمه الله ، فقد كان منقطعا
للعلم ومتبحرا في اللغة وعلوم التفسير ، ما زرته مرة إلا وفي يده تفسير
القرطبي وكان يدون في هوامشه ما يستوقفه من معاني رائعة أو حكم فقهي يريد
الرجوع إليه أو قصة نافعة أو حديث يستشهد به ، فتعلمت منه كيفية القراءة
النافعة للكتب وأهمية تدوين ما في بطون الكتب من درر غالية يسهل الرجوع
إليها لحفظها والعمل بها وتعليمها أو للاستشهاد بها عند كتابة بحث أو
تأليف كتاب . كان الجد مرحا ذو دعابة رغم بلوغه الثمانين من العمر وزيادة بضع سنوات ،
وتميز بخصلتين : كثرة ذكر الله في كل حال ، والاستفادة القصوى من الوقت
فلا تضيع منه لحظة بغير فائدة ، ومنه تعلمت حب الذكر وأنا في طريقي
للجامعة ، وحب الخلوة في المسجد لا سيما بعد صلاة الفجر إلى الإشراق ، أو
إلى منتصف النهار في أوقات الإجازات ولاسيما عند ذهابي للقرية بالصيف في
مسجد القرية الكبير، وكان الجد يكثر من صلة الرحم وزيارة الأصحاب ، وفي
عامة زياراته كان يحب المشي ، فكانت تطول بنا المسافات ونقطع الطريق
الطويل في استفادة طرفة أدبية ومعلومة لغوية أو حكم فقهي ، ولا أكاد أشعر
بالوقت ، لقد جعلني هذا
أعرف أن حلاوة تحصيل العلم من هذا البحر الزخار لا توازيها مرارة التعب في
المشي كيلو مترات طويلة ، ولم يضيع الله هذه الخطوات المباركة التي كان
لها أبلغ الأثر في حياتي .



في حياتي مع جدي موقفان لا انساهما ، أحدهما علمني قيمة الوقت وأهمية
الوعد ، والثاني علمني الانشغال بمعالي الأمور والزهد في سفاسفها :


أما
الأول : فكان بيني وبين جدي موعدا فتاخرت عليه ، فقال لي : يا خالد أنت حر
في وقتك ولكنك لست حرا في أوقات الآخرين !!! فظلت هذه الكلمة حية في أذني
منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما فلا أتاخر عن موعد فضلا عن إعطاء موعد
فأخلفه إلا إذا طرأ ما لا أستطيع رده ودفعه .


والثاني
: كنت اسأل في بعض موضوعات الخلاف الفرعية ، فقال لي جدي : يا خالد ، كل
علم لا ينبني عليه عمل إنما هو من التكلف الذي نهينا عنه شرعا ، وهو علم
لا ينفع وجهل لا يضر .


فأمسكت بعدها عن ضياع أنفس أوقات العمر فيما لا ينبني عليه عمل ، ووضعت همي فيما ينفعني وينفع أمتي .



وقد كان جدي خطيبا بمسجد كبير في حي العجوزة بالجيزة وقد أمرني يوم جمعة
ان اخطب مكانه وجلس يستمع الي ، وكانت الخطبة عن التوبة ومعناها وشروطها
وصفة التائب وغيره ، كان هذا في اواخر السبعينات ، ولكني قبلها قد اعتليت
المنبر أول مرة بمسجد القرية سنة 1974 وكنت يومها في السنة
الثانية للإعدادية وكانت عن أهمية الصلاة والخشوع فيها ، وكان لهذا الصعود
المبكر للمنبر جرأة في النفس على الدعوة والخطاب دون هيبة أو رهبة .



3- سيدي كيف تتكامل العلوم الكونية والعلوم الشرعية في بناء شخصية اسلامية معطاءة وبناءة وصالحة لقيادة العالم.




عامة العلوم الكونية – إن لم يكن كلها – متعلقة بالعلوم الشرعية ، إما في
ترسيخ العقيدة الصحيحة وقوة الإيمان وتعظيم الخالق ، وإما بالعبادات في
معرفة مواقيتها ونصابها ، وإما في المعاملات وما يتعلق بها من حسابات
وعقود وموازين ومكاييل ، وكذا في المعاشرات والأخلاق ، بل بعض القضايا
المعاصرة التي تحتاج إلى الفتوى لا يمكن معرفتها إلا من خلال أهل التخصص
فيها من أصحاب العلوم الكونية ، وهذا أصل مهم نبه عليه ابن القيم في كتابه
" إعلام الموقعين عن رب العالمين " حيث أكد على أهمية معرفة الفقيه الذي
يفتي الناس إلى فقهين مهمين : فقه النص وفقه الواقع ، فمن لم يفقه واقع
الناس ويعرف قضاياهم المعاصرة لن يستطيع أن يفتيهم فيما يحتاجون إليه لأنه
يعيش بين صفحات الكتب معزولا عن واقع الحياة . ولا يصلح لقيادة الأمة من يغفل عن قضاياها وواقعها ، أو يعيش متقوقعا في
دائرة ضيقة تحجبه عن رؤية واضحة شاملة عن طباع الناس ونزعاتهم وميولهم
المختلفة ،




لا حد للشبع في تحصيل أي علم نافع ، " ولن يشبع مؤمن من خير حتى يكون
منتهاه الجنة " ، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله : المحبرة إلى المقبرة .
وفي الماضي ما كان كثير من العلماء يفرقون بين العلوم الكونية والشرعية
كونها تصب في مقصد واحد هو تعظيم الخالق وحبه وطاعته وخشيته وامتثال أمره
واجتناب نهيه ، كما أن الاطلاع على دقة الصنع وروعة الخلق تزيدنا يقينا
وإيمانا ، وقد دعا القرآن إلى النظر في الكون والافاق بل وإلى التحدي في
وجه من اراد ان ينكر الخلق في اكثر من موقع الداعي البصير والفقيه المفتي والعالم المربي ، كل هؤلاء يؤثرون في الناس
أولا بإخلاصهم وصدقهم مع الله ، وثانيا بعلمهم المتين وحكمتهم الواعية
ورحمتهم وشفقتهم على الخلق ، وقلما تجتمع هذه الخصال إلا فيمن تعب وسهر
وأضنى نفسه باستيعاب علوم عصره .


: 17-11-2009
طباعة